السيد محمد باقر الصدر

71

فلسفتنا ( تراث الشهيد الصدر ج 1 )

في نطاق الحسّ ، وإنّما تتعلّق بتلك الحقائق الكلّية المجرّدة . وهذه النظرية ترتكز على قضيّتين فلسفيتين : إحداهما أنّ النفس موجودة قبل وجود البدن في عالم أسمى من المادّة . والأخرى أنّ الإدراك العقلي عبارة عن إدراك الحقائق المجرّدة الثابتة في ذلك العالم الأسمى ، والتي يصطلح عليها أفلاطون بكلمة ( المُثل ) . وكلتا القضيّتين خاطئتان كما أوضح ذلك ناقدو الفلسفة الأفلاطونية ، فالنفس في مفهومها الفلسفي المعقول ليست شيئاً موجوداً بصورة مجرّدة قبل وجود البدن ، بل هي نتاج حركة جوهرية في المادّة ، تبدأ النفس بها مادّية متّصفة بخصائص المادّة وخاضعة لقوانينها ، وتصبح بالحركة والتكامل وجوداً مجرّداً عن المادّة لا يتّصف بصفاتها ولا يخضع لقوانينها وإن كان خاضعاً لقوانين الوجود العامّة ؛ فإنّ هذا المفهوم الفلسفي عن النفس هو المفهوم الوحيد الذي يستطيع أن يفسِّر المشكلة ، ويعطي إيضاحاً معقولًا عن العلاقة القائمة بين النفس والمادّة ، بين النفس والبدن . وأمّا المفهوم الأفلاطوني - الذي يفترض للنفس وجوداً سابقاً على البدن - فهو أعجز ما يكون عن تفسير هذه العلاقة ، وتعليل الارتباط القائم بين البدن والنفس ، وعن إيضاح الظروف التي جعلت النفس تهبط من مستواها إلى المستوى المادّي . كما أنّ الإدراك العقلي يمكن إيضاحه مع إبعاد فكرة المُثل عن مجال البحث بما شرحه أرسطو في فلسفته : من أنّ المعاني المحسوسة هي نفسها المعاني العامّة التي يدركها العقل بعد تجريدها عن الخصائص المميّزة للأفراد واستبقاء المعنى المشترك ، فليس الإنسان العامّ الذي ندركه حقيقة مثالية سبق أن شاهدناها في عالم أسمى ، بل هو صورة هذا الإنسان أو ذاك بعد إجراء عملية التجريد عليها ، واستخلاص المعنى العامّ منها .